يومي الأخير كجراح

kalanithi-excerpt-2في شهر أيار من عام 2013 تم تشخيص المقيم في جراحة المخ والأعصاب بجامعة ستانفورد باول كالانثي بسرطان الرئة في مرحلته الرابعة كان بعمر 36 ولكنه أكمل تدريبه الطبي سنتين بعد التشخيص حيث أنه توفي شهر آذار عام 2015 بعد أن رزق بطفلة وكتب بشكل جميل عن تجربته في مواجهة المرض كطبيب وكمريض أيضًا , في هذا المقتطف من مذكراته التي نشرت بعد وفاته “when breath becomes air”  كتب فيه عن آخر يوم له في ممارسة الطب.

11 يناير 2016

قفزت من جهاز الأشعة المقطعية بعد 7 أشهر من عودتي للجراحة هذه ستكون آخر أشعة أجريها قبل انتهاء إقامتي في تخصص جراحة الأعصاب , آخر أشعة قبل أن احظى بطفلة آخر أشعة قبل أن يتحول مستقبلي لحقيقة.

تقني الأشعة : هل تريد إلقاء نظرة يادكتور؟

قلت : لا علي أن أذهب لدي الكثير من العمل اليوم

وكانت الساعة قد أشارت للسادسة مساء بالفعل ,عليّ رؤية المرضى وتنظيم جدول عمليات غدٍ الجراحية, إملاء ملاحظاتي الإكلنيكية والإطمئنان على المرضى بعد الجراحة ,وغير ذلك الكثير .

في حوالي الساعة الثامنة مساء جلست في مكتب جراحة الأعصاب إلى جانب جهاز مراجعة الاشعة , قمت بتشغيله ثم نظرت لأشعة مرضى اليوم التالي , كانت حالتين بسيطة تتعلق بأمراض العمود الفقري وأخيرًا كتبت اسمي ثم قلبت الصور كطفل يقلب كتاب وأقارن بين الجديدة منها والقديمة كل شيء بدا على حاله الأورام القديمة بدت تماما نفسها ..ماعدا..,لحظة.

عدت للصور ونظرت مجددًا بتمعن هناك ورم جديد كبير يملأ الفص الأوسط من رئتي اليمنى , وبدا على نحو غريب يشبه البدر في تمامه وتغطيته للأفق

بالعودة للأشعة القديمة استطعت تتبع نموه الباهت

لم أكن لا غاضبًا ولا خائفًا .

ببساطة كان هناك , كحقيقة عن العالم مثل المسافة بين الشمس والأرض .

قدت للمنزل وأخبرت زوجتي لوسي كانت ليلة الخميس ولم نكن سنرى طبيبة الأوارم ايما إلا الإثنين لكنني جلست مع لوسي في غرفة المعيشة مع أجهزة الكومبيوتر وبحثنا عن الخطوة التالية : خزعات ,اختبارات , علاج بالكيماوي

الخطط العلاجية هذه المرة قاسية , احتمالية العيش لمدة أطول ضئيلة .

توماس ستيرنز إليوت كتب مرة

“لكن خلفي

ريح صر تئن

طقطقة عظام

قهقهة تتردد من أذن إلى أذن”

البقاء جراح أعصاب سيكون مستحيلًا  عدة أسابيع أو أشهر أو للأبد

لكننا قررنا ترك كل ذلك حتى يصبح حقيقيًا يوم الاثنين , وخططت أن  غدًا سيكون آخر يوم لي كجراح.

في الساعة الخامسة وعشرون دقيقة من الصباح التالي , ترجلت من سيارتي عند المستشفى أخذت نفسًا عميقًا وابتسمت شممت رائحة شجرة الكينا اممم هل كانت شجرة صنوبر ؟ لم ألاحظ ذلك قبلًا .

ألتقيت بفريق المقيمين تجمعنا للقيام بالجولات الصباحية على المرضى راجعنا أحداث الليلة السابقة , المنومين الجدد , الأشعة الجديدة ثم ذهبنا لرؤية المرضى قبل مؤتمر  Morbidity and mortality وهو اجتماع منتظم لجراحي الأعصاب يقومون فيه بمناقشة الأخطاء المرتكبة ومراجعة الحالات المتضررة .

فيما بعد قضيت دقائق اضافية مع مريض لديه متلازمة غريستمان النادرة , بعدما أزلت الورم من دماغه فقد بعض القدرات مثل الكتابة, الحساب , تسمية الاصابع , معرفة اليمين من اليسار وهي حالة رأيتها مرة واحدة قبل ذلك عندما كنت طالب طب قبل ثماني سنوات وكان من اوائل المرضى الذين تابعتهم ومثل السيد ار كان مرحًا – اتساءل أن كان المرح جزء من المتلازمة لم يوصف من قبل-

م.ر كان يتحسن فقد استعاد قدرته على الكلام تقريبا , وقدرته الحسابية تحسنت بشكل كبير أيضَا على الارجح انه سيتعافى بالكامل.

مر الصباح , تعقمت استعدادًا لدخول الحالة الاخيرة فجأة بدت اللحظة ضخمة هل هذه آخر مرة استعد فيها للدخول لغرفة العمليات؟ ربما تكون كذلك.

شاهدت رغوة الصابون تنزلق من ذراعي للمغسلة, دخلت غرفة العمليات ألبسوني رداء العمليات وغطوا المريض .

تأكدت بنفسي من كل شيء أردت أن تكون هذه العملية مثالية بالكامل .

أخذت المبضع وفتحت الجلد أسفل ظهره , كان رجلًا مسنًا عموده الفقري قد اهترأ وأصبح يضغط على جذور الأعصاب مسببًا له ألمًا شديدًا

فرقت طبقة الدهن حتى ظهر النسيج الذي يفصلنا عن الفقرات استطعت تحسس فقراته ثم فتحت النسيج وبخفة أبعدت العضلات حتى تلألأت الفقرات أمامي ظاهرة من الجرح نظيفة وخالية من أي دماء

جاء الطبيب المساعد عندما بدأت بإزالة الصفائح الموجودة في جدار الفقرات وقد نمت عن حجمها الطبيعي ومع الأربطة تحتها أصبحت تضغط الأعصاب وقال : كل شيء يبدو جيدًا , إذا أردت أن تحضر مؤتمر اليوم استطيع استدعاء زميل لإنهاء الجراحة .

كان ظهري قد بدأ يؤلمني , لماذا لم أخذ جرعة أضافية من المسكنات مسبقا؟ كان يفترض بها أن تكون عملية سريعة

قلت لا أريد أن انهيها بنفسي.

استعد الطبيب المساعد للدخول في الجراحة وسويًا أزلنا العظم تماما وعندما بدأ بإزالة  الأربطة التي تقع تحتها الجافية وهي غشاء يحتوي على السائل الشوكي- تمزيق هذا الغشاء أكثر خطأ شائع في هذه المرحلة-كنت أعمل على الجهة الأخرى وبزاوية عيني رأيت بالقرب من اداة القطع بيده -ذات الوميض ازرق- بداية الجافية .

انتبه ! قلت ومجرد ماخرجت الكلمة من فمي كانت أداة القطع قد دخلت قليلا في الجافية وبدأ السائل الشوكي الشفاف يتسرب من القطع لم يحدث أي تسرب في أي حالاتي منذ أكثر من سنة , اصلاح التسرب سيأخذ منا ساعة أخرى

قلت : ناولني العدة المجهرية لدينا تسريب

عندما انهينا اصلاح التسريب وأزلنا الضغط على الاعصاب , كانت كتفاي تؤلمني جدًا خرج الطبيب المساعد بعد أن أبدى شكره وتركني لإنهاء العملية

أعدت الطبقات بخفة ثم بدأت اخيط الجرح بغرز نايلون مستمرة , معظم الجراحين يستخدمون دبابيس التثبيت لكني كنت مقتنع أن غرز النايلون أقل معدل للالتهاب والتلوث بعد الجراحة , هذا آخر إغلاق بطريقتي يتلاقى الجلد على نحو مثالي دون أن ينشد كما لم تجرى عليه جراحة أبدًا .

عندما كنا نزيل الأغطية من على المريض سألتني ممرضة لم أعمل معها من قبل : هل ستكون مناوبًا نهاية الاسبوع يادكتور ؟

قلت لا ..(وربما للابد)

هل لديك المزيد من الحالات اليوم ؟

لا … وربما للابد

حسنا اعتقد أن هذا يعني نهاية سعيدة ؟ تعجبني النهايات السعيدة , ماذا عنك يادكتور ؟

نعم نعم وأنا تعجبني النهايات السعيدة أيضًا

جلست إلى جهاز الكومبيوتر ادخل المعلومات بينما تقوم الممرضات بتنظيف غرفة العمليات ويقوم مختص التخدير بإفاقة المريض قمت بتشغيل بعض موسيقى الجاز بدلًا من البوب التي يهوى الجميع تشغيلها في غرف العمليات .

غادرت غرفة العمليات بعد ذلك ببرهة صغيرة وذهبت لجمع اشيائي التي تراكمت على مر سبع سنوات من العمل ملابس إضافية لتلك الليالي التي لا استطيع مغادرة المستشفى فيها فرشاة اسنان قطع صابون شاحن للهاتف النقال وجبات خفيفة ونموذج لجمجمة وبعض كتب جراحة الاعصاب وغير ذلك من الاشياء .

فكرت مجددا وقررت ترك كتبي ستكون مفيدة أكثر هنا .

في طريقي للمواقف اقترب مني زميل ليسألني عن شيء ما لكن جهاز استدعائه رن نظر  إليه ثم لوح لي وهو يعود مسرعًا للمستشفى أراك لاحقًا .

انهمرت الدموع عندما جلست على مقعد السيارة أدخلت المفتاح وببطء قدت السيارة للمنزل دخلت من الباب الأمامي علقت معطفي الابيض ونزعت شارة التعريف والبطاريات من جهاز الاستدعاء وخلعت الزي الطبي واخذت حماما طويلا

لاحقًا تلك اللية اتصلت بزميلتي المقيمة فيكتوريا وأخبرتها أنني لن أحضر يوم الاثنين ولا بعد ذلك أبدًا.

قالت لي : أتعرف؟ لطالما راودني كابوس هذا اليوم , لا أدري كيف استطعت المواصلة حتى هذا الوقت .

المقال الأصلي

One comment

  1. Ghada · نوفمبر 12, 2016

    أحببت اختيارك للتدوينة الأولى
    دائماً اتساءل اذا كنت سأعرف يومي الأخير لأستعد
    هل معرفتي به أفضل من عدمها أم لا ؟
    وحتى بعد معرفتي هل يمكنني القبول بهدوء والاستمرار؟
    ..

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s